‏إظهار الرسائل ذات التسميات عالم الاسلام.. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عالم الاسلام.. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 يونيو 2017

أقبلت يا شهر الصيام...

الحمدلله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين ، نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين، أما بعد ....
لقد أقبل شهر الصيام بفضائله ، و فوائده، و هباته، و نفحاته ...
أقبل بأنفاسه العطرة، و ثغره الباسم، ووجهه المشرق ...
أقبل وهو ينادي ويقول : يا باغي الخير أقبل .. ويا باغي الشر أقصر ...
أقبل وهو يصرخ محذرا: (( ورغم أنف امرىء دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له))
أقبل فتفتحت بإقباله أبواب الجنان ... وغلقت أبواب النيران، و سلسلت الشياطين ..
أقبل و المسلمون يتشوقون الى صيام نهاره و قيام ليله ..
فيا له من شهر عظيم .. وموسم .. كريم .. و تجارة رابحة لن تبور .

وخذ في بيان الصوم غير مقصر = عبادة سر ضد طبع معود
وصبر لفقد الإلف في حالة الصبا = وفطم عن المحبوب و المتعود
فثق فيه بالوعد القديم من الذي = له الصوم يجزى غير مخلف موعد
وحافظ على شهر الصيام فإنه = لخامس أركان لدين محمد
تغلق أبواب الجحيم إذا أتى = وتفتح أبواب الجنان لعبد
تزخرف جنات النعيم و حورها = لأهل الرضا فيه و أهل التعبد
وقد خصه الله العظيم بليلة = على ألف شهر فضلت فلترصد
فأرغم بأنف القاطع الشهر غافلا = و أعظم بأجر المخلص المتعبد
فقم ليله و اطو نهارك صائما = و صن صومه عن كل لغو ومفسد
فيا عباد الله ! هذا شهر الصيام قد أقبل فماذا أنتم فاعلون ؟
يا أيها المقصر ! هذا الشهر - والله- فرصه لا تعوض للتوبة و الانابة و الرجوع الى الله عز و جل .. فإذا جاء رمضان و لم تتب فمتى تتوب؟ و إذا أقبل شهر الصيا و لم تعد فمتى تعود؟

إياك - أخي - أن تكون من الذين يكرهون رمضان، لأنه يمنعهم من شهواتهم و مألوفاتهم، فإن هؤلاء لا حظ لهم من صيامهم الا الجوع و العطش..
كيف يكرهون رمضان وفيه تغفر ذنوبهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه تقال عثراتهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه تستجاب دعواتهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه ترفع درجاتهم ..
* قال الامام ابن رجب في " لطائف المعارف ": ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل، لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون : هى أيام توديع الأكل، و تسمى تنحيسا، واشتقاقه من الأيام النحسات.
ذكره ابن درستويه النحوي، و ذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه.
وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحه، بل يتعدى الى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشد بعضهم في هذا :
إذا العشرون من شعبان ولت = فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار = فإن الوقت ضاق على الصغار
يقصد شرب الخمر و العياذ بالله و قال آخر:
جاء شعبان منذرا بالصيام = فاسقياني راحا بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله، فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) -الأعراف 179-
وربما تكَره كثير منهم بصيام رمضان، حتى أن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان للرشيد ابنٌ سفيه، فقال مرة:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر = و لا صمت بعد شهرا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة = على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع، فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.
فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام، فيطول عليه ، و يشق علي نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية.
و هؤلاء مصرون على ما فعلوا و هم يعلمون ، فهم هلكى، و منهم من لا يصبر على المعاصي، فهو يواقعها في رمضان.
فمن أراد الله به خيرا حبب اليه الايمان ، و زينه في قلبه، و كره اليه الكفر و الفسوق و العصيان، فصار من الراشدين.
ومن أراد الله به شرا خلى بينه و بين نفسه ، فأتبعه الشيطان، فحبب اليه الكفر و الفسوق و العصيان ، فكان من الغاويين ..
فالحذر الحذر من المعاصي ..
فكم سلبت من نعم ..
وكم جلبت من نقم ..
وكم خربت من ديار ..
وكم وكم أخلت ديارا من أهلها .. فما أبقى منهم ديّار.
وكم أخذت من العصاة بالثار.
وكم محت لهم من آثار.
يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه = عواقب الذنب تُخشى وهي تُنتظر
فكل نفس ستُُجزى بالذي كسبت = وليس للخلق من ديّانهم وَزر (1)
أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ؟! ليلهم قيام ، و نهارهم صيام ..
 
باع قومٌ من السلف جارية ً .. فلما قرب شهر رمضان ، رأتهم يتأهبون له ، ويستعدون له بالأطعمة و غيرها .. فسألتهم ، فقالوا : نتهيأ لصيام رمضان. فقالت : و أنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ... ردوني عليهم !!
 
و باع الحسن بن صالح جارية له ، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: الصلاة الصلاة ... قالوا: طلع الفجر ؟ قالت : و أنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟ ثم جائت الحسن فقالت : بعتني إلى قوم سوء، لا يصلون إلا المكتوبة؟ .. ردني .. ردني ..
 
و كان أيوب السختياني يقوم الليل كله و يخفي ذلك، فإذا كان عند الصباح رفع صوته، كأنه قام تلك الساعة..
 
كان بعض السلف يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، و بعضهم في كل عشر.
 
كان قتادة يختم في كل سبع دائما، و في رمضان في كل ثلاث، و في العشر الأواخر في كل ليلة.
 
و في حديث السائب بن يزيد قال: كان القارىء يقرأ بالمئين - أي المئات من الآيات- حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، و ماكانوا ينصرفون إلا عند الفجر.
 
قال علقمة بن قيس: بت مع عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ليلة، فقام أول الليل يصلي، فكان يقرأ قراءة الامام في مسجد حيه، يرتل و يسمع من حوله ، و لا يرجع صوته حتى لم يبق من الغلس الا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها، ثم أوتر.
قال بعض السلف: صم الدنيا، و اجعل فطرك الموت.
الدنيا كلها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشهوات المحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى صيامهم ، و استهلوا عيد فطرهم.
وقد صمت عن لذات دهري كلها = و يوم لقاكم ذاك فطر صيامي
من صام عن شهواته ، أفطر عليها بعد مماته، و من تعجل ما حرم عليه قبل وفاته، عوقب بحرمانه في الآخرة و فواته، و شاهد ذلك قوله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) {الأحقاف 20}
وقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)) - متفق عليه-، و (( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) - متفق عليه
أنت في دار شتات = فتأهب لشتاتك
و اجعل الدنيا كيوم = صمته عن شهواتك
و ليكن فطرك عند الله = في يوم وفاتك
عباد الله ! بلوغ شهر رمضان و صيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، و كيف لا يكون ذلك و قد جعل الله أجر الصيام بغير حساب كما قال تعالى في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي و أنا أجزي به)) - متفق عليه-، و في رواية مسلم: (( كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها غلى سبعمائة ضعف، قال تعالى: إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به))
إخواني ! من رُحم في شهر الصوم فهو مرحوم، و من حرم خيره فهو محروم، ومن لم يتزود فيه لمعاده فهو ملوم ..
أتى رمضان مزرعة العباد = لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولا و فعلا = و زادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب و ما سقاها = تأوه نادما يوم الحصاد
فهنيئا لكم أيها الصائمون الأجر و المغفرة و العتق من النيران، ففي حديث أبي أمامة مرفوعا: (( ....و لله عتقاء من النار في كل ليلة)) - رواه الترمذي و ابن ماجة و حسنه الألباني.
وهنيئا لم استجابة دعواتكم ، و حصولكم مطلوبكم، فقد قال رسول الله صلي الله عليه و سلم : (( إن لكل مسلم في كل يوم و ليلة - يعني في رمضان - دعوة مستجابة )) - رواه البزار، و قال الألباني: صحيح لغيره-
أما أنت أيها المحروم ، فما أردأ رأيك، و ما أخسر صفقتك، و أحقر فكرك ..
أتبيع الدر بالبعر و تزعم أنك عاقل ؟
أتطيع الشيطان و تعصي الرحمن و تتبجح بالفهم و المعرفة ؟
أتترك جنة عرضها السماوات و الأرض لأجل جيفة قذرة و تعد نفسك فطنا ذكيا أريبا؟!

فيا من طالت غيبته عن ربه، قد قربت أيام المصالحة.
يا من دامت خسارته .. قد أقبلت أيام التجارة الرابحة.
من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ و من لم يقرب فيه من مولاه، فهو على بعده لا يبرح.
كم ينادي : حيّ على الفلاح و أنت خاسر !!.
كم تدعى إلى الصلاح و أنت على الفساد مثابر !!.
كم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله، فصار قبله الى ظلمة القبر....
كم من مستقبل يوما لا يستكمله، و مؤمل غدا لا يدركه.
إنكم لو أبصرتم الأجل و مسيره ، لأبغضتم الأمل و غروره.
جاء شهر الصيام بالبركات = أكرم به من زائر هو آت
وصلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

الجمعة، 19 مايو 2017

كيف تكون الجنة وتكون النار...........

كيف تكون الجنة وتكون النار؟ جعل الله تعالى الجنة للمتقين والصالحين، وجعل النار للفاسقين والكافرين والمنافقين، وطريق الجنة في الدنيا محفوف بالمكاره، وطريق النار في الدنيا محفوف بالشهوات، ولقد وضع الله تعالى لعباده سواء الجن أو الإنس اختبارات في الدنيا حتى ينتقي الله تعالى الصالحين ويجزيهم بالجنة التي يستحقونها، ويفصل الفاسقين والكفارين عنهم ليدخلهم النار........
كيف تكون الجنة:
الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا الحديث يلخص ما في الجنة دون أن نعلم، فمهما تخيل العبد من نعيم في الجنة، لا يستطيع عقله الصغير الضعيف أن يتخيل نعمة واحدة في الجنة، سواء نعمة مسموعة أو مرئية أو مأكولة، ومن المعلوم أن الشيء الوحيد من الجنة المتواجد على وجه الكرة الأرضية هو “الحجر الأسعد” في الكعبة المشرفة في مكة.
والجنة لها درجات كثيرة أعلها “الفردوس” وهي أعلى درجات الجنة وسقفها عرش الرحمن، أيضًا توجد جنة عدن الذي أعدها الله تعالى للمتقين، والجنة لها سبعة أبواب ويمكن أن يرى المسلم الجنة في قبره بالطبع إذا كان من المتقين، فيريه الله من نعيمها، أسأل الله تعالى لي ولكم الفردوس الأعلى من الجنة.
كيف تكون النار:
النار أو جهنم أعدها الله تعالى للكافرين والفاسقين والمنافقين، عافاني الله وأياكم من عذاب النار، وهي نار ليست كمثل نار الدنيا فعذابها شديد وقاعها بعيد وطعامها من غسلين، ومن المعلوم أن إبليس سيخطب خطبة في النار للذين أغواهم الشيطان في الدنيا، وإذا كان الشخص قد مات على المعصية فيمكن أن يعذبه الله بالنار في قبره يوم القيامة، إلى يوم قيام الساعة والعرض والحساب....

الجمعة، 12 مايو 2017

الأرزاق بين الأغنياء والفقراء........

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على قائد المؤمنين، والمبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أسأل الغني الكريم، الرحمن الرحيم أن يوفقك للخير، ويسعدك سعادة لا شقاء بعدها، ويُطَمئن قلبك، ويقوي إيمانك، ويخسأ شيطانك، ويحقِّق أمنياتك في الخير، اللهم آمين.
أختي المؤمنة: أحسنت صُنعاً بسؤالك عما اختلج في نفسك، فقد أمرنا مولانا الكريم بالسؤال عمَّا نجهله، والأمر هنا ليس سؤالاً وإجابة فحسب، بل هو تواصٍ بالخير بين أخت وإخوتها فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم بإذن الله، ومن هنا اجعلي التواصل مع إخوتك عبر الجهات الموثوقة كـ (الإسلام اليوم) ديدنك، كُلَّما رأيتِ حاجة، أو اضطربت لديك فكرة، أو خَفِيَتْ عليك مسألة.
أختي الكريمة: خَلَق الله الخلق مختلفين في أرزاقهم ومعيشتهم، لا متساوين، فأرزاقهم مختلفة، ففيهم الغني، وفيهم الفقير، وذاك بائس مكسور، وآخر موفور النعمة، يقول الله تعالى: "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [الزخرف:32].
وهذا مما يجب أن يعتقده من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ؛ إذ إن ذلك من توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بأفعاله، ومنه الإقرار بأن الله خالق كل شيء ومليكه، وإليه سبحانه يرجع كل شيء في التصريف والتدبير، فالله هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر سبحانه وتعالى، وهذا النوع من التوحيد، قد أقَرَّتْ به الفِطر السليمة، وقامت عليه الأدلة السمعية والعقلية.
وهذا التفاوت في الرزق بين العباد إنما هو لحكمة من الحكيم العليم، ولمصلحة راجحة للعباد الغني منهم والفقير، يقول الإمام الطبري عند تفسيره قوله تعالى: "اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ" [الرعد:26]. يقول: يقول تعالى ذكره: "الله يوسّع على من يَشاء من خلقه في رزقه، فيبسط له منه، لأن منهم من لا يُصْلحه إلا ذلك، ويقتِّر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه، فيضيّقه عليه، لأنه لا يصلحه إلا الإقتار، يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم".
أختي المباركة: ولتتأمَّلي كلام صاحب الظلال -رحمه الله- في حديثه عن مسألة التفاوت في الرزق إذ يقول: وهذه المسألة. مسألة بسط الرزق وقبضه؛ وتملك وسائل المتاع والزينة أو الحرمان منها، مسألة يحيك منها شيء في صدور كثيرة. ذلك حين تتفتح الدنيا أحياناً على أهل الشر والباطل والفساد، ويحرم من أعراضها أحياناً أهل الخير والحق والصلاح؛ فيحسب بعض الناس أن الله ما كان ليغدق على أحد إلا وهو عنده ذو مقام. أو يشك بعض الناس في قيمة الخير والحق والصلاح، وهم يرونها محوطة بالحرمان!
ويفصل القرآن هنا بين أعراض الحياة الدنيا والقيم التي ينظر الله إليها. ويقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وأن هذه مسألة ، ورضاه وغضبه مسألة أخرى، ولا علاقة بينهما. وقد يغدق الله الرزق على من هو عليه غاضب كما يغدقه على من هو عليه راض. وقد يضيق الله على أهل الشر كما يضيق على أهل الخير. ولكن العلل والغايات لا تكون واحدة في جميع هذه الحالات.
لقد يغدق الله على أهل الشر استدراجاً لهم ليزدادوا سوءاً وبطراً وإفساداً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة وفق حكمته وتقديره بهذا الرصيد الأثيم! وقد يحرمهم فيزدادوا شراً وفسوقاً وجريمة، وجزعاً وضيقاً ويأساً من رحمة الله، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال.
ولقد يغدق الله على أهل الخير، ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل؛ ويذخروا بهذا كله رصيداً من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم، وبما يعلمه من الخير في قلوبهم. وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجاءهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى؛ وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان.
وأياً ما كانت أسباب بسط الرزق وقبضه من عمل الناس، ومن حكمة الله، فهي مسألة منفصلة عن أن تكون دليلاً بذاتها على أن المال والرزق والأبناء والمتاع قيم تقدم أو تؤخر عند الله. ولكنها تتوقف على تصرف المبسوط لهم في الرزق أو المضيق عليهم فيه. فمن وهبه الله مالاً وولداً فأحسن فيهما التصرف فقد يضاعف له الله في الثواب جزاء ما أحسن في نعمة الله).
أختي الصابرة: ذكر المناوي في شرح الجامع الصغير (أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضي القضاة مرَّ يوما بالسوق في موكب عظيم، وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه متلطخة بالزيت، وهو في غاية من الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته، وقال يا شيخ الإسلام تزعم أن نبيكم قال الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأي سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ فقال أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة، فأسلم اليهودي).
إنها همسةٌ لكِ أختي الفاضلة، بل هي رجاء في أن تعيدي النظر في واقعك بطريقة مختلفة، فالدنيا ليست هدفنا معشر الموحدين؛ فإن الله قد جعلها جسراً إلى الآخرة، وقد وعدنا إن نحن صبرنا وآمنا بجنة عرضها السموات والأرض، فالحياة الحقيقية هناك وليست هنا، والتمايز في المكانة هناك وليس هنا، والسعادة الصادقة هناك وليست هنا، يقول صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" متفق عليه، لاحظي كيف جعل الحديث الدنيا بضيقها وهمومها وآلامها وأسقامها، مرتعاً للمؤمن، يستزيد من خلالها بالحسنات، ليرقى في درجات الجنَّات.
طيبي نفساً، وقَرِّي عيناً، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" صححه الألباني رحمه الله، ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير" [الحج:70].
وتأمَّلي هذه القصة: أراد رجل أن يبيع بيته لينتقل إلى بيت أفضل، فذهب إلى أحد أصدقائه ، وهو رجل أعمال، وخبير في أعمال التسويق، فطلب منه أن يساعده في كتابه إعلان لبيع البيت، وكان الخبير يعرف البيت جيداً، فكتب وصفاً مفصلاً له، أشاد فيه بالموقع الجميل، والمساحة الكبيرة ، ووصف التصميم الهندسي الرائع، ثم تحدث عن الحديقة، وحمام السباحة، إلخ، وقرأ كلمات الإعلان على صاحب المنزل الذي أصغى إليه في اهتمام شديد، وقال: أرجوك أعد قراءه الإعلان، وحين أعاد الكاتب القراءة ، صاح الرجل يا له من بيت رائع، لقد ظللت طول عمري أحلم باقتناء مثل هذا البيت، ولم أكن أعلم إنني أعيش فيه، إلي أن سمعتك تَصِفه، ثم أبتسم قائلاً: من فضلك لا تنشر الإعلان فبيتي غير معروض للبيع!
انظري إلى ذاتك من زاوية أخرى، أحصي الجوانب الإيجابية في حياتك، اكتبيها في قائمة، سلامة معتقدك، إيمانك بالله، كمال خِلْقَتِك، الأمن الذي تعيشينه، أسرتك، دراستك، وانظري لآخرين حُرِموا ما أنتِ فيه من النعم، انظري إلى غرف المستشفيات لتدركي نعمة الصحة لديك، وانظري إلى السجون لتشعري بنعمة الحرية لديك، وانظري إلى الأميين لتحسِّي بنعمة التعليم لديك، وانظري إلى المشرَّدين لتجدي نعمة الأسرة لديك، وهكذا !! والأمر هنا لا يختص بالفقراء دون الأغنياء، فالمرض والصحة، والضيق والسعادة، وجمال الشكل ودمامته، والفقر والغنى، والموت والحياة، والجهل والعلم، كلها جنود بين يدي خالق الخلق، وباسط الرزق، سبحانه وتعالى، ليست حكراً لأحد دون الآخر، وليست للفقراء دون الأغنياء، كما أنها ليست للمؤمنين دون الكافرين.
فقط تأملي ما أنتِ فيه من النِّعم، فستجدين أنك أسعد الناس، وأغنى الناس، فإن السعادة والحب صنع أيدينا، فمتى أشعرنا أنفسنا أننا بخير، وأن ما نمر به من أزمة إنما هي سحابة صيف، وأن غيرنا الكثير مروا بمثل أزماتنا أو أشد، ثم فرج الله تعالى عنهم بالصبر والدعاء والعلاج،فعادوا بأحسن حال، إذ إن مجرد التفاؤل والاقتناع بإمكانية علاج الأزمات التي تعترضنا، وأنها أمور عابرة، بل وهي كمثل غيرها من العقبات الأخرى؛ جدير بتهيئة النفس للخروج من الأزمة بإذن الله تعالى، فتفاءلي بالخير تجديه بإذن الله، ثقي بما عند الله، ولتتأملي قول الله تعالى: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" [النحل:97].
إن سعادتك داخل ذاتك، في طريقة تفكيرك، في إيمانك بقضاء الله وقدره، في رضاك بما قسم الله لك، في تكيفك مع الضغوط والأحداث، في تهوينك للعقبات والمشكلات، وهنا ستحصلين على الراحة النفسية بيسر وسهولة، وستجدين السعادة في الحياة الموصلة بالله تعالى، ستجدينها في واحة الإيمان وتحت ظلال القرآن، وفي الرضا بأقدار الرحمن، والصبر على ما قضاه المنان، ستجدينها في تحويل تفكيرك السلبي إلى تفكير إيجابي مثمر، ستجدينها في تعاملك مع الأحداث من حولك بواقعية، ستجدينها في القدرة على مواجهة الضغوط والتكيف معها من خلال التحكم بالانفعالات والأعصاب والمشاعر بكل عقلانية واتزان، ستجدينها في القناعة فيما قسمه الله تعالى لك، والاستمتاع بما بين يديك، وعدم إشغال النفس فيما سوى ذلك.
وأخيرا … السعادة الحقيقية في الدار الأبدية التي لا تنقضي، في دار الجنان التي وعد بها الرحمن عباده الصالحين، فإنها وحدها التي تخلو من الضغوط والهموم، قال تعالى: "لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ" [الحجر:48]، ومن هنا فإني أؤكد عليك التوكل على الله تعالى والاستعانة به، وعدم المبالغة في تضخيم الأمور، وقطع الطريق على الاسترسال في الأفكار الخاطئة، والتفسيرات السلبية المبالغ فيها، نَعم.. ثِقي بما عند الله، ثقي أن الله سيعوضكِ خيراً، وبإذن الله ترتَسِمُ الابتسامة على محياكِ، والطُمأنينة تُرفرف في أرجاء قلبك.
ثم الله الله بالدعاء، عليك بمن بيده خزائن السموات والأرض، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلِّبها كيف يشاء، سعادتك بين يديه، وصلاح حالك مَرَدُّه إليه، واستقرار حياتك وتعويضك عمَّا لاقيته من هموم وغموم مرتهن بتقديره وحكمته ورحمته.. فاقرعي بابه سبحانه، اهريقي الدموع في سجودك ذُلاً وخضوعاً، سليه من واسع رحمته وفضله، ادعيه وألِحِّي عليه بالدعاء، فإنَّ فرجه قريب، ثم قَدِّمي بين يدي ذلك صدقة ولو بالقليل، وعليك بالحفاظ على أوامر الله وفرائضه، الصلاة الصلاة في وقتها، وصلة الرحم، والبعد عن المحرمات ما صَغُر منها وما عَظُم، وبعد ذاك اهنئي بالغيث المدرار من رب الأرباب، ومُسَبِّب الأسباب سبحانه وتعالى.
قال أبو حازم رحمه الله: (لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز و جل إلا أغور فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنفتك الوجوه كلها) (صفة الصفوة).
وإنا في انتظار طمأنتنا عن أحوالك، أو ما يستجد لديك من تساؤلات، وفقك الله لكل خير، وبارك في حياتك، وحقَّق أمنياتك، وأسعدك في الدنيا والآخرة، والله أعلم، وصلَّ الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الثلاثاء، 9 مايو 2017

آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمع والفرد...

آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمع والفرد...


تُقاس أهمية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حسب الآثار المرجوة من القيام به، ويمكن إجمال هذه الأهمية بما قاله ابن العربي - رحمه الله - : "من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين" . ونتناول هذه الآثار فيما يلي:
أولا: آثار الاحتساب على المجتمع:
1- إطاعة المحتسب لأمر الله – سبحانه وتعالى - وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - في القيام به:
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي أوجبها الله،، وقد قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (سورة الحج: الآية ٣٢)، قال السعدي – رحمه الله -: (معنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد،..... فتعظيم شعائر الله، صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها، يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله) .
2- تحقيق الخيرية للأمة:
قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  (سورة آل عمران: الآية ١١٠)، قال ابن عطية الأندلسي – رحمه الله -: ( هذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط، من الأمر بالمعروف،والنهي عن المنكر، والإيمان بالله ).
3- تحقيق صفات الإيمان:
الذين من أخص صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة: الآية ٧١).
4- نشر الفضيلة في المجتمع:
وحفظ أمنه واستقراره، من خلال حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. كما قال – صلى الله عليه وسلم -: ) مَثَلُ الْقَائِمِ على حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إذا اسْتَقَوْا من الْمَاءِ مَرُّوا على من فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لو أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا ولم نُؤْذِ من فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أَرَادُوا هَلَكُوا جميعا وَإِنْ أَخَذُوا على أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جميعا (، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم سبب نجاة المجتمع من الهلاك الذي ربما أصابه بسبب الذنوب الحاصلة، وتجاوز حدود الله – سبحانه وتعالى -  بالمعاصي من ارتكاب المحرمات، والإعراض عن الواجبات.
ومما تضمنه هذا الحديث الشريف يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساوي حياة المجتمع وسلامته وأن أي تهاون في القيام، به لا جزاء له إلا أن تهوى السفينة بالجميع إلى القاع، وأن يصبح الكل من المهلكين المغرقين.
5- استجابة الله عز وجل للدعاء:
كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ) وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عن الْمُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا منه ثُمَّ تَدْعُونَهُ فلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ...

الاثنين، 24 أبريل 2017

 رِفْقاً بـ(الإسلام)..............

رِفْقاً بـ(الإسلام)..............


أُشفق على من يبحثون عن الحق في مثل هذه الأزمنة المضطربة المتداخلة.
باسم الإسلام يُقتل أبرياء غافلون ويُردد قاتلهم: (الله أكبر)!
وتنتشر آلاف المقاطع في الشبكات للنحر، والقتل، والاستخفاف بالحياة باسم: (دولة الإسلام)، أو باسم: (الثأر للحسين)!
من ينفِّذ هذا الإرهاب أحد طرفي الإرهاب، لكن من ينشره ويجعله سلعة في الأيدي هم أولئك المستسهلون لضغطة زر النشر؛ ليجعلوا من هذا القبح مادة مستساغة مع الزمن والتكرار -وإن فعلوا ذلك بحسن نية-.
بلاد العروبة وبلاد الإسلام أصبحت خارطةً حمراء؛ تُنتهك فيها الحقوق، ويُعتدى فيها على الأطفال والنساء والشيوخ والعاجزين.
وفيها أكبر عددٍ من أصحاب الإعاقات والعاهات ومقطّعي الأطراف.. بسبب الحرب العمياء والتدمير العشوائي.
وهي تحتل المراتب الأخيرة في سلم التنمية، والعدالة، والتعليم، والصحة، والتوظيف، والشفافية، والنمو الاقتصادي.
قصص العنف الأسري ضد الأطفال وضد النساء تتكاثر وبعضها موثّق بالتصوير.
حالات عديدة رأيت فيها أحد الأبوين يزجر طفله أو يتلّه أو يسحبه أو يضربه في المطار أو السوق في مدننا العربية!
جاءت من تلك العصا الغليظة التي كانت مغزلنا الوحيد في التربية، كانوا يتوارثون المعرفة يوم أن توارثنا تلك العصا..
خطيب أو إمام أو داعية يصعد المنبر ويتكلم برؤيته الضيقة ورأيه الخاص؛ الذي ربما لا يقبله محيطه القريب، وهو يقوله على رؤوس الأشهاد للقريب والبعيد، وقد يعد هذا شجاعةً أو صدعاً بالحق، وإن لم يكن معه من الله برهان، وليس لديه علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وربما تحدَّث في مسألة علمية كونية صارت من القطعيات المفروغ منها حتى لدى البسطاء وهو ينفيها باسم الله وباسم الإسلام وباسم القرآن!
يا لجرأتنا على الله باسم الله..
مجتمعات متدينة عجزت عن استيعاب تنوعها واختلافها فتحولت إلى بؤر للصراع المستميت الممتد؛ الذي لا يتوقّف إلا ليلتقط أنفاسه من جديد!
مع الوقت صرنا بيئة جاذبة للأمزجة الحادة حتى لمن يدخلون في الإسلام نبدأهم بالتطعيم بهذه المعاني.
انشغالات جزئية شكلية فرعية خلافية تسيطر على التفكير والاهتمام، وتشغل عن الله، وعن الحياة والعمل والحضارة والإبداع.
إعلام يُموّل بالمال العربي والإسلامي، ويوجه لعقول عربية وإسلامية، ولا يخدم هوية، ولا يعالج مشكلاً، ولا يكرس قيمةً، ولا يربي على الإنصاف والعدل.
كانت الشتيمة متستّرة لا يعرفها إلا القلّة، مَنْ الذي جعلها سافرة لهذا الحد..؟!
كنا نرتكب أخطاء في محيطنا الضيق وضمن سياق خاص، ومع الشبكات المتكاثرة  لم يعد خطؤنا مفهوماً، لقد تجاوز الأصدقاء والدوائر الشخصية إلى المحيط العالمي الذي لا يعرف مستوى المتحدثين ولا يدرك أهميتهم ولا يحيط بظروفهم النفسية،  والذي بمقدوره أن يفسر الكلام والمواقف وفق ميله ومزاجه وربما يكون جاهلاً أو سَيِّئ النية!
قوى عالمية رسمية وشعبية تستثمر كل هذا في صناعة انطباعٍ سلبي عن الإسلام وأهل الإسلام وتاريخ الإسلام، وتصنع من الحادثة المفردة قصة عريضة، وترددها على مدار الساعة؛ لتحدث تراكماً لدى المشاهدين، وتبني جداراً من الكراهية والخوف من هذا الدين.
ثَمَّ شأن إيجابي كبير فليست الصورة قاتمة من كل وجوهها، بيد أن مشاهدة هذا الخيط الأسود الكالح ضروري للعمل على كسر دوامته وتخفيف حدته.
سؤال يطرح نفسه كثيراً:
أين مَنْ يُقدِّم الأنموذج الأخلاقي الطيب لأبناء مجتمعاتنا القريبين منا، والذين اهتزت ثقتهم فينا، وفيهم من اهتزت ثقته بدينه، وفيهم من تطرّف وغلا ، وفيهم من ألحد وتجرأ على قدسية ربه بسخيف القول، وجعل المعاني الإيمانية العليا مادةً للتندر والسخرية والتجديف؟!
أين الأفراد الأنموذج في العقل والتفكير والتوازن والتسامي عن تمثيل جماعة أو مدرسة أو حزب أو تيار إلى أفق التسامح الإسلامي الواسع؟
وأين المدارس الأنموذج في البناء التربوي، والتأصيل النبوي، والاستيعاب والبعد الإنساني؟
أين المجتمع الأنموذج في الواقعية والترابط واحترام الاختلاف والصلة والبر والعفو والإحسان؟
أين الإدارة الأنموذج في العدالة والتنمية والتخطيط والحقوق؟
أين الفقيه الذي يتربَّى ويُربِّي على قاعدة: (لا يتحدَّث الناس..)...........

الجمعة، 21 أبريل 2017

الشباب من الداخل.......

الشباب من الداخل.......

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
إن من أعظم ما افترضه اللهُ علينا تجاه نعمةِ الذُّرية أن نقوم على أمر تربيتهم وتعاهدهم بما يصلح لهم أمور دنياهم وآخرتهم؛ولذا فإننا حينما نتحدَّث عن تربية الابناء؛فإنما نتحدثُ عن أمانةٍ عظيمةٍ ومسئوليةٍ جسيمةٍ.

إنَّ الأبناءَ أمانةٌ ومسئوليةٌ، يقولُ-عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته,الإمام راعٍ,ومسئول عن رعيته،والرجل راعٍ في أهله، وهو مسئولٌ عن رعيتِهِ، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسئولةٌ عن رعيتِها، والخادم راعٍ في مال سيده، ومسئولٌ عن رعيتِهِ، وكلُّكم راعٍ، ومسئولٌ عن رعيتِهِ»(1)

إن بعض الآباء يؤدِّي حقوق الأبناء من مطعم وملبس,ويغفل عمَّا هو أهمُّ من ذلك، يغفل عن تأديبهم وتعليمهم وتربيتهم،وقد رُوِىَ عن النَّبيِّ- عليه الصلاة والسلام- الحديث ضعفه الالبانى أنه عليه الصلاة والسلام قالَ: «ما نَحَلَ والدٌ ولداً مِن نحل أفضل من أدبٍ حسنٍ)»(2) والمعنى أن أفضل ما يهب الوالدُ لولدِهِ حسنُ الأدبِ،ولاشكَّ أنَّ ذلكَ خيرٌ من صنوفِ الأموالِ والهباتِ.

إن التربيه من أفضل الأعمال وأقرب القربات،فهي دعوة وتعليم،ونصح وإرشاد،وعمل وقدوة،ونفع للفرد والمجتمع.وكيف لا تكون من أعظم الأعمال وأجلِّها,وهي مُهمَّةُ الأنبياء والرسل,وقد قال-تعالى-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}(3)

 وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكملُ ويقوى بالغذاء،فكذلك النفس تُخلق ناقصةً قابلةً للكمال؛وإنما تكمل بالتربيةِ وتهذيبِ الاخلاقِ والتغذيةِ بالعلم).

إنَّ مهمَّةَ تربيةِ الأولادِ مُهمَّةٌ عظيمةٌ يجبُ على الآباء أنْ يحسبُوا لها حسابها،ويُعِدُّوا العُدَّةَ لمواجهتها،خُصُوصَاً في هذا الزَّمانِ الذي كثرتْ فيه دواعي الفسادِ،وتنوَّعتْ فيه وسائلُ التأثيرِ،وكَثُرَ إهمال الآباء للشباب فلم يعد يُسأل عنهم،وخرجت البنات مع السائقين،وقل الحزم والغيرة في الرجال،وكل ذلك مقرون مع الإهمال في التربية.

أيها الآباء: إن الله قد أمركم بأن تقوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، استمعوا إلى التوجيه الإلهي العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(4) .

أيها الأحبة: لقد أهمل كثير من الآباء تربية أبنائهم فهم مشغولون بأعمالهم ووظائفهم, حتى أن بعض أبنائهم وقع في المصائب العظيمة دون أن يشعر بهم آباؤهم,وقد يغترُّ الأبُ بظاهر ابنه,فيظن أن ابنه على خير عظيم,وهو في الحقيقة واقع في المعاصي والسيئات. إن من يجلس مع بعض الشباب ويعرفهم عن قرب ليرى العجب العجاب: شباب واقعون في المنكرات، قمار، أغاني،معاكسات، لواط،عادة سرية، دخان، مخدرات أفلام مشبوهة،تبادل سيديهات جنسية مواقع إباحية،وخذوا على سبيل المثال قضية شبكة الإنترنت فلقد تنوعت وتعددت مصادر الإفساد للشباب على الشبكة,وتعددت مجالاتها,فتجدها أحياناً جنسية وإباحية ، ومرة تجارة بالرقيق،وأخرى نشر للصور والأفلام المخلة بالآداب،وكذلك تعاطي المخدرات وطرق استخدامها والحصول عليها والعنف وبذاءة الألفاظ والعنصرية والممارسات الشاذة.

كتبت إحدى المجلات (5)عنواناً باسم : ( عالم الإنترنت السفلي.. قرصنة برامج.. إباحية.. مافيا..غسيل أموال.. مخدرات.. قمار..عنصرية .. منظمات الهاكر.. إرهاب.. متفجرات ثم عنونت داخل المجلة:( عالم إنترنت السفلي يناديك، يبسط لك ذراعيه، يلوح لك بكافة المغريات القذرة التي ابتكرها الإنسان عبر التاريخ.. برامج كاملة بالمجان.. صور وأفلام إباحية.. مخدرات.. قمار.. أموال قذرة.. فهل تستجيب ؟) وفي حوار من خلال مجلة(الجندي المسلم ) حول الإباحية في الإنترنت مع د. مشعل بن عبد الله الأستاذ المساعد في معهد بحوث الحاسب الآلي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية قال:(قامت بعض الشركات بدراسة عدد زوار صفحات الدعارة والإباحية في الإنترنت فوجدت إحدى الشركات أن بعض هذه الصفحات يزورها عشرون ألف زائر يومياً، ولذلك صرَّحتْ وزارةُ العدل الأمريكية قائلة : لم يسبق في فترة من تاريخ وسائل الإعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل من مواد الدعارة أمام هذه الكثرة من الأطفال في هذه الكثرة من البيوت. كما تفيد الإحصائيات بأن 63% من المراهقين الذين يرتادون صفحات وصور الدعارة لا يدري أولياء أمورهم بطبيعة ما يتصفحونه على الإنترنت . علماً بأن الدراسات تفيد


أن أكثر مستخدمي المواد الإباحية تتراوح أعمارهم ما بين 12 - 17 سنة (6)

فيا معاشر الآباء هل تعلمون ماذا يعمل أبناؤكم؟! وماذا يدور بينهم؟ ألا فلنتق الله في أولادنا,ولنحافظ عليهم من الانحراف والمعاصي,فَهُم أمانةٌ في أعناقنا،ولنتنبه لأخطائهم ونعالجها ,قبل أن تستفحل.

 وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نبيِّنا مُحمَّدٍ,وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ. 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - أخرجه البخارى كتاب الوصايا باب تأويل قول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين برقم (2546).
2 - أخرجه الترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في أدب الولد برقم (1875) واللفظ له، وأحمد (14856).
3 -(الجمعه:(2).
4 -التحريم: (6).
5 - في عددها الثاني للسنة الثالثة (إنترنت العالم العربي) نقلاً عن مجلة البيان العدد 172ص 38 .

6-  مجلة إنترنت العالم العربي في عددها الثاني للسنة الثالثة ص نقلاً عن مجلة البيان العدد 172ص 38.

السبت، 15 أبريل 2017

المرأة فى الاسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
• نظرة الإسلام لمكانة المرأة الاجتماعية:
لما كان الإسلام هو دين الغالبية العظمى من سكان دول العالم الإسلامي، وأحد العوامل الكبرى في حركة الحضارة العربية الإسلامية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، فإن الأمر يقتضي أن نركز على مكانة المرأة الاجتماعية في الإسلام، وفي هذا الصدد فإن الإسلام قد ساوى بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية، واستخلفهما معًا لعمران الكون.
إن القرآن الكريم قد ساوى بين الرجال والنساء في الواجبات الدينية، وفي المسؤولية، وفي الثواب والعقاب، حيث ذكر في محكم آياته: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى  [سورة النجم، الآيات 41-39]. والإنسان هنا يشمل كلًّا من الذكور والإناث بطبيعة الحال.
كما أكدت السنة النبوية على المساواة في معاملة الذكور، فالحديث الشريف يقرر: ) ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء (.
والمساواة في العطاء تمتد من تربية الأطفال ورعايتهم، إلى إتاحة الفرص المتكافئة لهم نموًا وعملًا ومشاركة، من خلال ما يتمتعون به من حقوق، وما يتحملونه من مسؤوليات، ويقرر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المساواة بين الذكر والأنثى بنصيحته للنساء اللائي جئن لمبايعته يوم فتح مكة: ) من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة (.
والخلاصة: أن الإسلام يرسي قاعدة مكينة لمكانة المرأة، بالنسبة لكرامتها ولمساواتها بالرجل، ولحقها في المشاركة الفعلية العريضة في شؤون الحياة، كما فعلت كثير من فضليات النساء في كثير من حقب التاريخ.
• مساهمة المرأة في التنمية الاجتماعية والثقافية:
يرجع اهتمامنا بالدور الاجتماعي والثقافي للمرأة، إلى إيماننا بالبيئة التي يعيش فيها الطفل في السنوات الأولى من عمره، وعلى نموه مستقبلًا، فالمرأة تلعب دورًا رئيسًا في تنمية الموارد البشرية الصغيرة، فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى لتربية الطفل وتنشئته، فيها يوضع حجر الأساس التربوي، حيث يكون الطفل عجينة طيعة يتقبل التوجيه ويتعوده، ويلتقط ما يدور حوله من صور وعادات وتقاليد، وثقافة البيئة التي يعيش فيها، وفيها أيضًا يتعلم مبادئ الحياة الاجتماعية والمعارف والعادات الصحية السليمة.
ورعاية المرأة لأبنائها تبدأ قبل ميلادهم، وذلك من خلال اختيارها التغذية السليمة المتكاملة التي تفيد صحتها أثناء الحمل والرضاعة، وذلك وقاية وحماية للأطفال، حتى لا يتعرضون في هذه المرحلة إلى تأخر النمو أو قلة الحيوية ونقص المناعة، وزيادة القابلية للأمراض المعدية، ليعيشوا رجالًا أصحاء أقوياء.
فكل ما يتلقاه الطفل من عناية ورعاية وتنمية في السنوات الأولى من عمره، يشكل أقصى حد ما سيكون عليه عند بلوغه.
ودور المرأة لا ينحصر في ذلك فقط، بل يتعداه إلى ما تقوم به من أعمال الاقتصاد المنزلي الخاصة بترتيب المنزل وتنظيفه، وتصنيع الغذاء، وتوزيع دخل الأسرة على بنود الإنفاق المنزلي، كما أنها في بعض الأحيان تتحمل المسؤولية كاملة في حالة غياب الزوج أو وفاته، هذا بالإضافة إلى عملها خارج المنزل.
سطّرت المرأة في العصور القديمة والحديثة، وخاصة في المجتمعات الإسلامية - أسطرًا من نور في جميع المجالات، حيث كانت ملكة، وقاضية، وشاعرة، وفنانة، وأديبة، وفقيهة، ومحاربة، وراوية للأحاديث النبوية الشريفة.
وإلى الآن ما زالت المرأة في المجتمعات الإسلامية تكد وتكدح، وتساهم بكل طاقاتها في رعاية بيتها وأفراد أسرتها، فهي الأم التي تقع على عاتقها مسؤولية تربية الأجيال القادمة، وهي الزوجة التي تدير البيت وتوجه اقتصادياته، وهي بنت أو أخت أو زوجة، وهذا يجعل الدور الذي تقوم به المرأة في بناء المجتمع دورًا لا يمكن إغفاله أو التقليل من خطورته.
إن المرأة تتمتع بصفات قد لا يطيقها الرجل، ومن أبرزها الصبر، فهي أجلد من الرجل في تحمل العمل، وهي أعلم بأحاسيس مثيلاتها، وقد مرت بالمرحلة التي أصبح لها بها اهتمام بعد أن تجاوزتها، وهي التي تستطيع التداخل والمواجهة والمخالطة بهن.
كل ذلك يحتم عليها أن تقوم بدور في مجتمعها، يوازي دورها في بيتها، ولا يخل به، وهنا أؤكد أن إيماني بقيمة أخذ المرأة بزمام العمل الاجتماعي النسوي والطفولي، لا يعني تشجيعها على ترك بيتها، بل هو الأولى بها، ولكن المرأة القوية الفكر، الماهرة في إدارة وقتها، سوف تجد وقتا كافيا لهذا وذاك.
وإن النساء غير المرتبطات بأي عمل أو زوج، مدعوات أكثر من غيرهن أن يمارسن هذا العمل، فالفراغ مغبته وخيمة على النفس، قبل أن يكون على غيرها، وهن يمتلكن طاقات هائلة، فمن الظلم لها أن تنزوي في غرفتها تلوك همومها، فيما يبقى المجتمع في أمس الحاجة إليها.
ولعل مما يمكن أن تمارسه المرأة في المجتمع، افتتاح جمعيات نسائية، ومراكز لتنمية الطفل، والتدرب على الإلقاء، وتدريب فتيات الأسر المحتاجة على مهنة يمكن من خلالها أن يغتنين، والقيام بمشروعات متنوعة للفتيات للاستفادة من أوقاتهن، وحفظ حياتهن فيما يعود عليهن بالنفع العاجل، من بناء الروح والعقل والجسد، وآجلا مما يؤهلهن للزواج والتربية، ونحو ذلك مما تستطيع المرأة أن تفتق أكمامه.
ذكرت الدكتورة أسماء الرويشد الدور الفعلي الذي يمكن للمرأة أن تقدمه من خلال العمل المجتمعي التطوعي، سواء كان من خلال الأسرة أو المجتمع لإبراز حضارة إسلامية مشرفة، والدفاع عن قضايا المرأة التي تواجه الكثير من الإشكاليات.
وأكدت على ضرورة تشجيع العمل التطوعي، وحثها على إدراجها ضمن المناهج الدراسية، وحث السيدات المتقاعدات من العمل بشكل خاص للاندماج في العمل التطوعي.
• أنواع العمل التطوعي نوعان، هما:
1- العمل التطوعي الفردي: وهو عمل أو سلوك اجتماعي يمارسه الفرد من تلقاء نفسه، وبرغبة منه وإرادة، ولا يبغي منه أي مردود مادي، ويقوم على اعتبارات أخلاقية أو اجتماعية أو إنسانية أو دينية ... في مجال محو الأمية -مثلا- قد يقوم فرد بتعليم مجموعة من الأفراد القراءة والكتابة ممن يعرفهم، أو يتبرع بالمال لجمعية تعنى بتعليم الأميين.
2- العمل التطوعي المؤسسي: وهو أكثر تقدما من العمل التطوعي الفردي، وأكثر تنظيمًا، وأوسع تأثيرًا في المجتمع.
في الوطن العربي توجد مؤسسات متعددة، وجمعيات أهلية تساهم في أعمال تطوعية كبيرة لخدمة المجتمع، فجمعية تنظيم الأسرة على سبيل المثال هي من الجمعيات التي تهتم بقضايا اجتماعية متعددة للتنمية الاجتماعية، من مكافحة المخدرات، إلى صحة الأسرة، وصحة الأم إلى المساهمة في دراسة وحل مشكلات الشباب، وتجنيبهم المشكلات الصحية الخطرة أو الانحرافية المضرة بالمجتمع.
أما عن دور المرأة في العمل التطوعي، فللمرأة دور كبير في العمل التطوعي، وهو أن تبذل شيئا من جهودها ووقتها بإرادتها في منفعة الآخرين، وتقديم الخدمة لهم، ومن أهم الأعمال التي تستطيع المرأة في وقتنا الحاضر القيام بها المشاركة في الجمعيات الخيرية التطوعية، ومن أهم النشاطات التي تقوم بها هذه الجمعيات هي النشاطات الاجتماعية المتنوعة الكثيرة والعظيمة، وأهمها تقصي أحوال الأسر والأفراد ذوي الحاجة وتقديم المساعدات لهم، والمشاركة في الأسواق والأطباق الخيرية التي يستفاد من ريعها في تموين المشاريع الخيرية .. أما إذا كانت المرأة من ذوات المؤهلات العلمية المتخصصة، فيمكنها المشاركة في إقامة محاضرات ودروس توعوية للمرأة في كل المجالات.
ولا بد لكل متطوعة للعمل الخيري من الاتصاف بصفات عدة، منها:
1. إخلاص العمل لله وحده.
2. الإيثار.
3. حُسن التعامل مع الآخرين؛ لأن العمل التطوعي يتطلب منها التواصل مع الآخرين.
وأخيرًا للعمل الاجتماعي التطوعي فوائد تعود على الفرد المتطوع نفسه، وعلى المجتمع بأكمله، وتؤدي إلى استغلال أمثل لطاقات الأفراد، وخاصة الشباب في مجالات غنية ومثمرة لمصلحة التنمية الاجتماعية.
المراجع:
- تعليم الإناث في العالم الإسلامي.
- دور المرأة في تنمية المجتمع، بتصرف.
- برنامج "دور المرأة السعودية في التطوع" د. أسماء الرويشد.
- مقالة "نقطة ضوء حول المرأة والعمل التطوعي" لوسيلة الحلبي بتصرف.
- مقالة من منتديات حلول بعنوان "الدور الاجتماعي للمرأة" بتصرف...

الخط العربي وأهمية المحافظة عليه

بسم الله الرحمن الرحيم
إن مصادر دراسة الخط العربي تنحدر من أصلين:
1. الأصل النظري: وهي الكتابات الإسلامية عن الخط وتاريخه وتطوره وأشكاله، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة، وهذه النصوص كثيرًا ما تعتمد على الافتراضات والاجتهادات والآراء المتوارثة، وإذا كان أكثرها صحيحًا، فإن فيه ما لا يقبله العقل.
2. الأصل الثاني: وهو الأهم والأوثق، هو الأصول المادية الأثرية، ما كتب على الحجر والنحاس والنسيج والرق والبردي، من نقوش ورسائل ووصايا ومعاهدات وصكوك وغيرها.
وإذا كان الخط العربي لا يُعرف إلا بنماذجه المادية، فإن صور الخط وأنواعه ورسومه لا تعرف إلا بالنموذج، فمهما وصف الخط الكوفي نظريًّا لا يجدي إن لم يكن معه نموذج من صورة على حجر أو ورق أو نسيج، ولا شك أن دراسة النماذج الخطية تعين على معرفة تاريخ الخط وأصله وتطوره أكثر من النصوص النظرية التي لا تستند إلا على الرأي والنقل، وكل رأي له رأي آخر يخالفه ويضاده، والنقل عرضة للوهم والخطأ والزيادة والنقص، ولذلك لا بد في الدراسة العلمية من الرجوع إلى أصلين، ومع اعتبار الأصول المادية هي الأصل الأول والأوثق.
فبالإضافة إلى المصادر النظرية كالرسائل التي ألفت عن الخط العربي خلال العصور، والكتب التي ألفت عن الخط، أو أفردت له فصولًا خاصة، نرى أن ينصبّ الاهتمام على كل ما تركه الإسلام من نماذج مكتوبة، ويتمثل ذلك في:
1. الكتابات التي وجدت على المباني والنصب والجدران وشواهد القبور والأضرحة والمنابر، سواء كتبت على الحجر أو الجص أو الخشب.
2. الكتابات على أوراق البردي.
3. المصاحف القديمة على اختلاف العصور.
4. الكتابات التي ظهرت على المسكوكات والنقود.
5. الكتابات التي ظهرت في الآثار المنقولة كالفخار (الأطباق والسرج والأواني)، والموازين والزجاج والأخشاب والأواني النحاسية والسيوف والدروع، وغيرها.
6. الكتابات التي ظهرت في الأقمشة والطروز.
7. الكتابات في الآلات العلمية كالإسطرلاب.
وقد انتشر الخط العربي في بيئات شاسعة، انتشر حيث انتشرت اللغة العربية، فشمل الجزيرة العربية، والعراق، والشام، وفارس، وخراسان، وما وراء النهر، والسند شرقًا، وانتشر في أرمينية، والقوقاز، وديار بكر، وآسية الصغرى شمالًا، وانتشر في مصر، وأفريقية (تونس)، والمغرب الأقصى، والسودان غربًا، وكذلك في الأندلس وصقلية، وجنوب فرنسا، ولذلك فإن الدراسة ينبغي أن تشمل كل الكتابات في هذه البيئات، وبديهي أن يتخذ في كل بيئة طابعًا متميزًا، ويصطبغ بالأثر المحلي، فالخط الكوفي الأندلسي يختلف عن الخط الكوفي القيرواني، وهذان يختلفان عن الخط الكوفي في العراق والشام، هذا مع ملاحظة الأثر الشخصي للخطاط المسلم، وما لكل منهم من شخصية تعكس ذوقه ومهارته وأثر البيئة فيه.
إن الآراء في أصل الخط المعتمد على النظريات والدلائل النظرية، تستند إلى أسس دينية غيبية، أو أسطورية، تجعل اختراع الخط منسوبًا إلى شخص أو مجموعة أشخاص، وهناك رأيان في هذا:
الرأي الأول: ما ذكره الإخباريون من أن الكتابة توقيف من عند الله تعالى، وقيل: (إن أول من وضع الخط العربي السرياني وسائر الكتب آدم عليه السلام)، وقيل: إن أول من خط بالقلم بعد آدم هو إدريس، وسمي إدريس في بعض المصادر القديمة (ابن خنوخ)، وفي الطبري: (وخنوخ أول من خط بالقلم)، وفي رواية عن ابن عباس أن أول من وضع الكتابة العربية هو إسماعيل بن إبراهيم، وقيل: إن إسماعيل وضع الكتاب موصولًا حتى فرق بينه ولداه هميسع وقيذر، ويفصل في هذه الرواية ابن عبد ربه فيقول: (إن أول من وضع الخط نفيس ونصر وتيما بنو إسماعيل بن إبراهيم، وضعوه متصل الحروف بعضها ببعض، حتى فرقه نبت وهميسع وقيذر).
والرأي الثاني: هو رأي الإخباريين أيضًا، يقول: إن الخط نشأ في الحجاز وإن عبد ضخم بن إرم بن سام بن نوح، وولده ومن تبعه، نزلوا الطائف وإنهم أول من كتب بالعربية ووضع حروف المعجم وهي حروف أ ب ت ث، وهي التسعة والعشرون حرفًا، وفي الطبري أن أول من كتب بالخط العربي هم ملوك جبابرة، وهم أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، وضعوا الكتاب على أسمائهم، ولما وجدوا حروفًا في الألفاظ ليست في أسمائهم ألحقوها بها، وسموها الروادف، وقيل: إن هؤلاء ملوك في الحجاز، وإن (أبجد)كان ملكًا على مكة وما جاورها، و(هوز) كان ملكًا على الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشت كانوا ملوكا بمدين.
وواضح أن هذه الروايات أسطورية لا تستند إلى حقيقة، وأن حروف (أبجد هوز) هو الترتيب القديم عند الأمم السامية، وقد أريد بهذه الألفاظ جمع الحروف في كلمات، وقد كان هذا الترتيب الأبجدي معروفًا في صدر الإسلام، فيروى أن عمر بن الخطاب لقي أعرابيًّا فسأله: هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم، قال: فاقرأ القرآن، فقال الأعرابي: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟ فضربه عمر بالدرة وأسلمه إلى الكُتاب ليتعلم، فمكث حينًا ثم هرب، ولما رجع إلى أهله أنشدهم:
أتيتُ مهاجرين فعلموني

ثلاثة أحرف متتابعاتِ
وخطوا لي أبا جادٍ وقالوا

تعلم سعفصا وقريشاتِ
وما أنا والكتابة والتهجي

وما حظ البنين مع البنات
المصدر:
- دراسات في تاريخ الخط العربي/ للمنجد.
- العقد الفريد/ لابن عبد ربه.
- مروج الذهب/ للمسعودي.
- تاريخ العرب قبل الإسلام/ لجواد علي.
- الخط والكتابة في الحضارة العربية/ ليحيى الجبوري.

اللغة العربية وأهميتها لبناء مجتمع قوي

بسم الله الرحمن الرحيم
جاء الإسلام واللغة العربية على درجة رفيعة من الفصاحة والبيان في الشعر والنثر، بيد أنها في حدود قبلية ضيقة، ثم اجتباها الله لتكون لغة الإسلام ولسان القرآن الكريم، كما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ (سورة الشعراء آية: 192-195)، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ (سورة الشورى آية: 7)، وبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالة ربه بهذه اللغة المختارة، وأعطي جوامع الكلم، ليكون رحمة للعالمين ومرسلًا للناس كافة.
وبذلك تجاوزت اللغة العربية حدود القبيلة والقوم وارتبطت بالإسلام فكانت لغة عقيدته وشريعته وخطابه إلى جميع البشر. وعلى الرغم من عدم فرض اللغة العربية على الشعوب الإسلامية ذات اللغات الأخرى إلا أنها انتشرت بانتشار الإسلام في بلاد الشام والعراق وما وراء النهر من بلاد فارس والهند والسند وأنحاء واسعة من القارة الآسيوية حتى وصلت إلى أرخبيل الملايو، وانتشرت في مصر وشمال أفريقيا وغربها ووسطها وجهات السودان وعلى السواحل وفي الجنوب، وكذلك تأثرت اللغات الأوروبية بها منذ بداية الصراع البيزنطي الإسلامي في الشرق، ثم القوطي (الأسباني) مع الإسلام في إسبانيا، وما أسهمت به الحروب الصليبية على مدى قرون من الزمان، وعبر الاتصال الحضاري بين الحضارة الإسلامية والغرب في الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا وبلدان البلقان.
وقد كتب كثير من الباحثين المحدثين من المستشرقين وغيرهم عن أثر اللغة العربية في اللغات التي دخلت معها في صراع لغوي وأنجزوا إحصائيات علمية مقارنة للمفردات العربية المبثوثة خلال تلك اللغات وأظهروا نسبة تأثيرها؛ وعلى سبيل المثال قال أحد الباحثين: (درست أثر العربية في اللغات الشرقية وأحصيت نسبتها وهي: في الفارسية (67 و60%)، وفي التركية (30 و65%)، وفي الأردية (95 و41%)، وفي التاجيكية (39 و46%)، وفي الأفغانية (99 و56%).
وعلى هذا المنوال لاحظ الباحثون في اللغات المقارنة تأثير اللغة العربية العميق في سائر اللغات المنتشرة في العالم الإسلامي، وعللوا ذلك بتعليلات كثيرة ومتنوعة يأتي في مقدمتها الدين؛ ومهما كانت التعليلات فإن اللغة العربية حققت هذا الإعجاز؛ لأنها في المقام الأول حملت آيات القرآن الكريم المعجز إلى آفاق المعمورة، وصادفت الحفاوة والترحيب.
إن الإحاطة بمنزلة اللغة العربية ومميزاتها الأساسية التي عملت على قوتها وانتشارها من الصعوبة بمكان، ولكن نقتصر هنا على الآتي:
1. كون اللغة العربية ارتبطت بشعائر الإسلام وعبادته وغدت جزءًا أساسيًّا من لغة المسلم اليومية وفي حياة الأمة الإسلامية؛ لأنها ملازمة للفرائض الإسلامية؛ فقد أوجب الإسلام أن تكون إقامة الصلاة وتلاوة القرآن وترتيله، والأذان، ومناسك الحج والدعاء، وسائر الشعائر الدينية، ونحو ذلك باللغة العربية.
لكل هذا ارتقت منزلة اللغة العربية عند المسلمين، وتفقه المختصون في دراسة علوم العربية ووضع قواعدها في النحو والصرف، والبيان، والمعاني، وموازين الشعر، ورسم الحروف، والخط وغيرها، وألفوا فيها عددًا ضخمًا من نفائس الكتب، ومنهم العرب وغيرهم، ونشطت لذلك بوجه خاص في زمن باكر مدرستا البصرة والكوفة، فظهر في الأولى مثلًا أول معجم لغوي، وأول كتاب في أوزان الشعر، وأشهر كتاب في نحو العربية، منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، وهو معجم العين وكتاب العروض للعالم الفذ (الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري) والكتاب لسيبويه.
2. حركة التعريب التي بدأت في خلافة عبد الملك بن مروان، الذي بدأ يسك عملة عربية، وكانت الدواوين والأعمال الرسمية تكتب باللغة الإفريقية أو الفارسية أو القبطية حسبما تقتضيه الظروف المحلية فغير ذلك كله إلى اللغة العربية.
ومما ساعد على ترسيخ اللغة العربية ونشرها حركة الترجمة التي بلغت أوجها في عهد المأمون.
3. مميزات اللغة العربية الذاتية، فقد كسبت الصراع اللغوي الذي خاضته وهي تلازم انتشار الإسلام بسبب عامل جوهري هو أنها لم تكن لغة مستعمر غاصب ولا سلطان مستغل، وإنما كانت لغة الفطرة، لغة القلب والعقل، لغة الغيب والشهادة، لغة العدل والرحمة والمساواة والحق، إلى جانب ذلك فإنها امتازت بخصائص فريدة كتب عنها كثيرٌ من الباحثين في اللغات، وكان من أبرز ما استنتجوه الآتي:
أ. أنها اللغة التامة الحروف، الكاملة الألفاظ، لم ينقص منها شيء من الحروف فيشينها نقصانه، ولم يزد فيها شيء فيعيبها زيادته.
واعترف بعض المستشرقين بهذه الخصيصة، إذ يقول (رينان): من أغرب المدهشات أن تثبت تلك اللغة وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرُّحَّل، تلم اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها.
ب. لا تقتصر اللغة العربية على كونها وسيلة تعبير، وإنما تتميز اللغة العربية بأنها ذات مضامين علمية ومنهجية وموضوعية وحضارية، وتميزت في ذلك كله بالبيان والسهولة والوضوح على الرغم مما قد يبدو من صعوبة تعلمها في بادئ الأمر.
وخلاصة القول: إن اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، واللغة العربية شعار الأمة الإسلامية، وهي من أهم وسائل تميزها وهو ما أدركته الأمة وسار تاريخها في ضوئها وبهدي منها.
قال ابن تيمية: اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
لقد سبق شيخ الإسلام برؤيته هذه علماء اللغات الذين خلصوا إلى القول بأن: اللغة ليست مجرد أداة للفكر بل هي جزء منه ووسيلة للتميز والحفاظ على الذاتية والهوية المستقلة عن غيرها.
المصدر:
- اللغة العربية لغة القرآن ورسالة الإسلام/ لعلي الشابي.
- عالمية اللغة العربية/ لمحمد بن الحاج.
- اقتضاء الصراط المستقيم/ لابن تيمية.
- اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي/ لمازن مبارك.

الأحاديث النبوية في ذم العنصرية الجاهلية

إن من العلل التي تعرض على النفس فيمرض القلب ويضيق الصدر وتخبو البصيرة ويختل ميزان العقل ويضعف الإيمان ويغلب الهوى مرض التعصب للقومية ، والاعتزاز بالعنصرية،  وعبودية الفكر  والعقل للعرق واللسان والعشيرة والقبلية ، وهو مرض خبيث متركب من نوعي أمراض القلوب: فساد العلم وفساد الإرادة، فيجمع جهلا وظلما، وهذان أصلان لمفاسد عظيمة، من بطر الحق وغمط الناس، واستسهال الكذب والدعاوى الباطلة، وتكذيب الحقائق وإنكار فضائل الغير، والسخط على الله تعالى في قضائه وقدره،  والكبر،  والعجب،  والبغي، والعدوان،  والحقد،  والحسد، إلى غير ذلك مما يزيد القلوب ظلمة،  والنفوس خبثا وشرا، وقد تنتهي بها إلى الكفر المحض، وانسلاخ من الدين والأخلاق.
والنعرة الجاهلية تدفع صاحبها إلى الاعتراض على الله في خلقه، حتى يود لو أن الله تعالى لم يخلق إلا القوم الذين ينتمي هو إليهم، كما تدفعه إلى الاعتراض على الله تعالى في ملكه، وتدبيره، وحكمه، فالأمر كله بيده سبحانه.
وهذه المنهجية الجاهلية نبه عليها القرآن الكريم عندما اعترض المشركون الأولون على اختيار الله لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ( لَوْ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) ، فقال تعالى في جوابهم:  ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ )،  فانظر إلى هذه العقلية الجاهلية كيف اعترض أصحابها على نبوة الصادق الأمين!!
ومن آثار العصبية القومية:

- الإخلال بتوحيد الله تعالى

- أنها تنافي الرضا بالإسلام دينا

- تحيي شعارات الجاهلية التي قضى الإسلام عليها.

لهذا نجد عند القوميين حرصا بالغا على بعث وإحياء أعياد آبائهم الأقدمين ولو بمسميات أخرى.
لقد أمر الله المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين،  ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمرهم بإصلاح ذات البين.
إذًا وجب علينا جميعا ذم العنصرية الجاهلية، واتباع ما أمر الله به ورسوله، آخذين على عاتقنا الدعوة إليه سبحانه وتعالى متواصين بالحق والصبر،
قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)
اللهم أنت بكل جميل كفيل وأنت حسبنا ونعم الوكيل
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد