‏إظهار الرسائل ذات التسميات عالم الاسلام.. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عالم الاسلام.. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 يونيو 2017

أقبلت يا شهر الصيام...

الحمدلله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين ، نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين، أما بعد ....
لقد أقبل شهر الصيام بفضائله ، و فوائده، و هباته، و نفحاته ...
أقبل بأنفاسه العطرة، و ثغره الباسم، ووجهه المشرق ...
أقبل وهو ينادي ويقول : يا باغي الخير أقبل .. ويا باغي الشر أقصر ...
أقبل وهو يصرخ محذرا: (( ورغم أنف امرىء دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له))
أقبل فتفتحت بإقباله أبواب الجنان ... وغلقت أبواب النيران، و سلسلت الشياطين ..
أقبل و المسلمون يتشوقون الى صيام نهاره و قيام ليله ..
فيا له من شهر عظيم .. وموسم .. كريم .. و تجارة رابحة لن تبور .

وخذ في بيان الصوم غير مقصر = عبادة سر ضد طبع معود
وصبر لفقد الإلف في حالة الصبا = وفطم عن المحبوب و المتعود
فثق فيه بالوعد القديم من الذي = له الصوم يجزى غير مخلف موعد
وحافظ على شهر الصيام فإنه = لخامس أركان لدين محمد
تغلق أبواب الجحيم إذا أتى = وتفتح أبواب الجنان لعبد
تزخرف جنات النعيم و حورها = لأهل الرضا فيه و أهل التعبد
وقد خصه الله العظيم بليلة = على ألف شهر فضلت فلترصد
فأرغم بأنف القاطع الشهر غافلا = و أعظم بأجر المخلص المتعبد
فقم ليله و اطو نهارك صائما = و صن صومه عن كل لغو ومفسد
فيا عباد الله ! هذا شهر الصيام قد أقبل فماذا أنتم فاعلون ؟
يا أيها المقصر ! هذا الشهر - والله- فرصه لا تعوض للتوبة و الانابة و الرجوع الى الله عز و جل .. فإذا جاء رمضان و لم تتب فمتى تتوب؟ و إذا أقبل شهر الصيا و لم تعد فمتى تعود؟

إياك - أخي - أن تكون من الذين يكرهون رمضان، لأنه يمنعهم من شهواتهم و مألوفاتهم، فإن هؤلاء لا حظ لهم من صيامهم الا الجوع و العطش..
كيف يكرهون رمضان وفيه تغفر ذنوبهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه تقال عثراتهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه تستجاب دعواتهم ..
كيف يكرهون رمضان وفيه ترفع درجاتهم ..
* قال الامام ابن رجب في " لطائف المعارف ": ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل، لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون : هى أيام توديع الأكل، و تسمى تنحيسا، واشتقاقه من الأيام النحسات.
ذكره ابن درستويه النحوي، و ذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه.
وربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحه، بل يتعدى الى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشد بعضهم في هذا :
إذا العشرون من شعبان ولت = فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار = فإن الوقت ضاق على الصغار
يقصد شرب الخمر و العياذ بالله و قال آخر:
جاء شعبان منذرا بالصيام = فاسقياني راحا بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله، فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) -الأعراف 179-
وربما تكَره كثير منهم بصيام رمضان، حتى أن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان للرشيد ابنٌ سفيه، فقال مرة:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر = و لا صمت بعد شهرا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة = على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع، فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.
فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام، فيطول عليه ، و يشق علي نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية.
و هؤلاء مصرون على ما فعلوا و هم يعلمون ، فهم هلكى، و منهم من لا يصبر على المعاصي، فهو يواقعها في رمضان.
فمن أراد الله به خيرا حبب اليه الايمان ، و زينه في قلبه، و كره اليه الكفر و الفسوق و العصيان، فصار من الراشدين.
ومن أراد الله به شرا خلى بينه و بين نفسه ، فأتبعه الشيطان، فحبب اليه الكفر و الفسوق و العصيان ، فكان من الغاويين ..
فالحذر الحذر من المعاصي ..
فكم سلبت من نعم ..
وكم جلبت من نقم ..
وكم خربت من ديار ..
وكم وكم أخلت ديارا من أهلها .. فما أبقى منهم ديّار.
وكم أخذت من العصاة بالثار.
وكم محت لهم من آثار.
يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه = عواقب الذنب تُخشى وهي تُنتظر
فكل نفس ستُُجزى بالذي كسبت = وليس للخلق من ديّانهم وَزر (1)
أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ؟! ليلهم قيام ، و نهارهم صيام ..
 
باع قومٌ من السلف جارية ً .. فلما قرب شهر رمضان ، رأتهم يتأهبون له ، ويستعدون له بالأطعمة و غيرها .. فسألتهم ، فقالوا : نتهيأ لصيام رمضان. فقالت : و أنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ... ردوني عليهم !!
 
و باع الحسن بن صالح جارية له ، فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: الصلاة الصلاة ... قالوا: طلع الفجر ؟ قالت : و أنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟ ثم جائت الحسن فقالت : بعتني إلى قوم سوء، لا يصلون إلا المكتوبة؟ .. ردني .. ردني ..
 
و كان أيوب السختياني يقوم الليل كله و يخفي ذلك، فإذا كان عند الصباح رفع صوته، كأنه قام تلك الساعة..
 
كان بعض السلف يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، و بعضهم في كل عشر.
 
كان قتادة يختم في كل سبع دائما، و في رمضان في كل ثلاث، و في العشر الأواخر في كل ليلة.
 
و في حديث السائب بن يزيد قال: كان القارىء يقرأ بالمئين - أي المئات من الآيات- حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، و ماكانوا ينصرفون إلا عند الفجر.
 
قال علقمة بن قيس: بت مع عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ليلة، فقام أول الليل يصلي، فكان يقرأ قراءة الامام في مسجد حيه، يرتل و يسمع من حوله ، و لا يرجع صوته حتى لم يبق من الغلس الا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها، ثم أوتر.
قال بعض السلف: صم الدنيا، و اجعل فطرك الموت.
الدنيا كلها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشهوات المحرمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى صيامهم ، و استهلوا عيد فطرهم.
وقد صمت عن لذات دهري كلها = و يوم لقاكم ذاك فطر صيامي
من صام عن شهواته ، أفطر عليها بعد مماته، و من تعجل ما حرم عليه قبل وفاته، عوقب بحرمانه في الآخرة و فواته، و شاهد ذلك قوله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) {الأحقاف 20}
وقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)) - متفق عليه-، و (( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) - متفق عليه
أنت في دار شتات = فتأهب لشتاتك
و اجعل الدنيا كيوم = صمته عن شهواتك
و ليكن فطرك عند الله = في يوم وفاتك
عباد الله ! بلوغ شهر رمضان و صيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، و كيف لا يكون ذلك و قد جعل الله أجر الصيام بغير حساب كما قال تعالى في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي و أنا أجزي به)) - متفق عليه-، و في رواية مسلم: (( كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها غلى سبعمائة ضعف، قال تعالى: إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به))
إخواني ! من رُحم في شهر الصوم فهو مرحوم، و من حرم خيره فهو محروم، ومن لم يتزود فيه لمعاده فهو ملوم ..
أتى رمضان مزرعة العباد = لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولا و فعلا = و زادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب و ما سقاها = تأوه نادما يوم الحصاد
فهنيئا لكم أيها الصائمون الأجر و المغفرة و العتق من النيران، ففي حديث أبي أمامة مرفوعا: (( ....و لله عتقاء من النار في كل ليلة)) - رواه الترمذي و ابن ماجة و حسنه الألباني.
وهنيئا لم استجابة دعواتكم ، و حصولكم مطلوبكم، فقد قال رسول الله صلي الله عليه و سلم : (( إن لكل مسلم في كل يوم و ليلة - يعني في رمضان - دعوة مستجابة )) - رواه البزار، و قال الألباني: صحيح لغيره-
أما أنت أيها المحروم ، فما أردأ رأيك، و ما أخسر صفقتك، و أحقر فكرك ..
أتبيع الدر بالبعر و تزعم أنك عاقل ؟
أتطيع الشيطان و تعصي الرحمن و تتبجح بالفهم و المعرفة ؟
أتترك جنة عرضها السماوات و الأرض لأجل جيفة قذرة و تعد نفسك فطنا ذكيا أريبا؟!

فيا من طالت غيبته عن ربه، قد قربت أيام المصالحة.
يا من دامت خسارته .. قد أقبلت أيام التجارة الرابحة.
من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ و من لم يقرب فيه من مولاه، فهو على بعده لا يبرح.
كم ينادي : حيّ على الفلاح و أنت خاسر !!.
كم تدعى إلى الصلاح و أنت على الفساد مثابر !!.
كم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله، فصار قبله الى ظلمة القبر....
كم من مستقبل يوما لا يستكمله، و مؤمل غدا لا يدركه.
إنكم لو أبصرتم الأجل و مسيره ، لأبغضتم الأمل و غروره.
جاء شهر الصيام بالبركات = أكرم به من زائر هو آت
وصلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

الجمعة، 19 مايو 2017

كيف تكون الجنة وتكون النار...........

كيف تكون الجنة وتكون النار؟ جعل الله تعالى الجنة للمتقين والصالحين، وجعل النار للفاسقين والكافرين والمنافقين، وطريق الجنة في الدنيا محفوف بالمكاره، وطريق النار في الدنيا محفوف بالشهوات، ولقد وضع الله تعالى لعباده سواء الجن أو الإنس اختبارات في الدنيا حتى ينتقي الله تعالى الصالحين ويجزيهم بالجنة التي يستحقونها، ويفصل الفاسقين والكفارين عنهم ليدخلهم النار........
كيف تكون الجنة:
الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا الحديث يلخص ما في الجنة دون أن نعلم، فمهما تخيل العبد من نعيم في الجنة، لا يستطيع عقله الصغير الضعيف أن يتخيل نعمة واحدة في الجنة، سواء نعمة مسموعة أو مرئية أو مأكولة، ومن المعلوم أن الشيء الوحيد من الجنة المتواجد على وجه الكرة الأرضية هو “الحجر الأسعد” في الكعبة المشرفة في مكة.
والجنة لها درجات كثيرة أعلها “الفردوس” وهي أعلى درجات الجنة وسقفها عرش الرحمن، أيضًا توجد جنة عدن الذي أعدها الله تعالى للمتقين، والجنة لها سبعة أبواب ويمكن أن يرى المسلم الجنة في قبره بالطبع إذا كان من المتقين، فيريه الله من نعيمها، أسأل الله تعالى لي ولكم الفردوس الأعلى من الجنة.
كيف تكون النار:
النار أو جهنم أعدها الله تعالى للكافرين والفاسقين والمنافقين، عافاني الله وأياكم من عذاب النار، وهي نار ليست كمثل نار الدنيا فعذابها شديد وقاعها بعيد وطعامها من غسلين، ومن المعلوم أن إبليس سيخطب خطبة في النار للذين أغواهم الشيطان في الدنيا، وإذا كان الشخص قد مات على المعصية فيمكن أن يعذبه الله بالنار في قبره يوم القيامة، إلى يوم قيام الساعة والعرض والحساب....

الجمعة، 12 مايو 2017

الأرزاق بين الأغنياء والفقراء........

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على قائد المؤمنين، والمبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أسأل الغني الكريم، الرحمن الرحيم أن يوفقك للخير، ويسعدك سعادة لا شقاء بعدها، ويُطَمئن قلبك، ويقوي إيمانك، ويخسأ شيطانك، ويحقِّق أمنياتك في الخير، اللهم آمين.
أختي المؤمنة: أحسنت صُنعاً بسؤالك عما اختلج في نفسك، فقد أمرنا مولانا الكريم بالسؤال عمَّا نجهله، والأمر هنا ليس سؤالاً وإجابة فحسب، بل هو تواصٍ بالخير بين أخت وإخوتها فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم بإذن الله، ومن هنا اجعلي التواصل مع إخوتك عبر الجهات الموثوقة كـ (الإسلام اليوم) ديدنك، كُلَّما رأيتِ حاجة، أو اضطربت لديك فكرة، أو خَفِيَتْ عليك مسألة.
أختي الكريمة: خَلَق الله الخلق مختلفين في أرزاقهم ومعيشتهم، لا متساوين، فأرزاقهم مختلفة، ففيهم الغني، وفيهم الفقير، وذاك بائس مكسور، وآخر موفور النعمة، يقول الله تعالى: "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [الزخرف:32].
وهذا مما يجب أن يعتقده من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ؛ إذ إن ذلك من توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بأفعاله، ومنه الإقرار بأن الله خالق كل شيء ومليكه، وإليه سبحانه يرجع كل شيء في التصريف والتدبير، فالله هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر سبحانه وتعالى، وهذا النوع من التوحيد، قد أقَرَّتْ به الفِطر السليمة، وقامت عليه الأدلة السمعية والعقلية.
وهذا التفاوت في الرزق بين العباد إنما هو لحكمة من الحكيم العليم، ولمصلحة راجحة للعباد الغني منهم والفقير، يقول الإمام الطبري عند تفسيره قوله تعالى: "اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ" [الرعد:26]. يقول: يقول تعالى ذكره: "الله يوسّع على من يَشاء من خلقه في رزقه، فيبسط له منه، لأن منهم من لا يُصْلحه إلا ذلك، ويقتِّر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه، فيضيّقه عليه، لأنه لا يصلحه إلا الإقتار، يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم".
أختي المباركة: ولتتأمَّلي كلام صاحب الظلال -رحمه الله- في حديثه عن مسألة التفاوت في الرزق إذ يقول: وهذه المسألة. مسألة بسط الرزق وقبضه؛ وتملك وسائل المتاع والزينة أو الحرمان منها، مسألة يحيك منها شيء في صدور كثيرة. ذلك حين تتفتح الدنيا أحياناً على أهل الشر والباطل والفساد، ويحرم من أعراضها أحياناً أهل الخير والحق والصلاح؛ فيحسب بعض الناس أن الله ما كان ليغدق على أحد إلا وهو عنده ذو مقام. أو يشك بعض الناس في قيمة الخير والحق والصلاح، وهم يرونها محوطة بالحرمان!
ويفصل القرآن هنا بين أعراض الحياة الدنيا والقيم التي ينظر الله إليها. ويقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وأن هذه مسألة ، ورضاه وغضبه مسألة أخرى، ولا علاقة بينهما. وقد يغدق الله الرزق على من هو عليه غاضب كما يغدقه على من هو عليه راض. وقد يضيق الله على أهل الشر كما يضيق على أهل الخير. ولكن العلل والغايات لا تكون واحدة في جميع هذه الحالات.
لقد يغدق الله على أهل الشر استدراجاً لهم ليزدادوا سوءاً وبطراً وإفساداً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة وفق حكمته وتقديره بهذا الرصيد الأثيم! وقد يحرمهم فيزدادوا شراً وفسوقاً وجريمة، وجزعاً وضيقاً ويأساً من رحمة الله، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال.
ولقد يغدق الله على أهل الخير، ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل؛ ويذخروا بهذا كله رصيداً من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم، وبما يعلمه من الخير في قلوبهم. وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجاءهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى؛ وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان.
وأياً ما كانت أسباب بسط الرزق وقبضه من عمل الناس، ومن حكمة الله، فهي مسألة منفصلة عن أن تكون دليلاً بذاتها على أن المال والرزق والأبناء والمتاع قيم تقدم أو تؤخر عند الله. ولكنها تتوقف على تصرف المبسوط لهم في الرزق أو المضيق عليهم فيه. فمن وهبه الله مالاً وولداً فأحسن فيهما التصرف فقد يضاعف له الله في الثواب جزاء ما أحسن في نعمة الله).
أختي الصابرة: ذكر المناوي في شرح الجامع الصغير (أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضي القضاة مرَّ يوما بالسوق في موكب عظيم، وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه متلطخة بالزيت، وهو في غاية من الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته، وقال يا شيخ الإسلام تزعم أن نبيكم قال الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأي سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ فقال أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة، فأسلم اليهودي).
إنها همسةٌ لكِ أختي الفاضلة، بل هي رجاء في أن تعيدي النظر في واقعك بطريقة مختلفة، فالدنيا ليست هدفنا معشر الموحدين؛ فإن الله قد جعلها جسراً إلى الآخرة، وقد وعدنا إن نحن صبرنا وآمنا بجنة عرضها السموات والأرض، فالحياة الحقيقية هناك وليست هنا، والتمايز في المكانة هناك وليس هنا، والسعادة الصادقة هناك وليست هنا، يقول صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" متفق عليه، لاحظي كيف جعل الحديث الدنيا بضيقها وهمومها وآلامها وأسقامها، مرتعاً للمؤمن، يستزيد من خلالها بالحسنات، ليرقى في درجات الجنَّات.
طيبي نفساً، وقَرِّي عيناً، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" صححه الألباني رحمه الله، ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير" [الحج:70].
وتأمَّلي هذه القصة: أراد رجل أن يبيع بيته لينتقل إلى بيت أفضل، فذهب إلى أحد أصدقائه ، وهو رجل أعمال، وخبير في أعمال التسويق، فطلب منه أن يساعده في كتابه إعلان لبيع البيت، وكان الخبير يعرف البيت جيداً، فكتب وصفاً مفصلاً له، أشاد فيه بالموقع الجميل، والمساحة الكبيرة ، ووصف التصميم الهندسي الرائع، ثم تحدث عن الحديقة، وحمام السباحة، إلخ، وقرأ كلمات الإعلان على صاحب المنزل الذي أصغى إليه في اهتمام شديد، وقال: أرجوك أعد قراءه الإعلان، وحين أعاد الكاتب القراءة ، صاح الرجل يا له من بيت رائع، لقد ظللت طول عمري أحلم باقتناء مثل هذا البيت، ولم أكن أعلم إنني أعيش فيه، إلي أن سمعتك تَصِفه، ثم أبتسم قائلاً: من فضلك لا تنشر الإعلان فبيتي غير معروض للبيع!
انظري إلى ذاتك من زاوية أخرى، أحصي الجوانب الإيجابية في حياتك، اكتبيها في قائمة، سلامة معتقدك، إيمانك بالله، كمال خِلْقَتِك، الأمن الذي تعيشينه، أسرتك، دراستك، وانظري لآخرين حُرِموا ما أنتِ فيه من النعم، انظري إلى غرف المستشفيات لتدركي نعمة الصحة لديك، وانظري إلى السجون لتشعري بنعمة الحرية لديك، وانظري إلى الأميين لتحسِّي بنعمة التعليم لديك، وانظري إلى المشرَّدين لتجدي نعمة الأسرة لديك، وهكذا !! والأمر هنا لا يختص بالفقراء دون الأغنياء، فالمرض والصحة، والضيق والسعادة، وجمال الشكل ودمامته، والفقر والغنى، والموت والحياة، والجهل والعلم، كلها جنود بين يدي خالق الخلق، وباسط الرزق، سبحانه وتعالى، ليست حكراً لأحد دون الآخر، وليست للفقراء دون الأغنياء، كما أنها ليست للمؤمنين دون الكافرين.
فقط تأملي ما أنتِ فيه من النِّعم، فستجدين أنك أسعد الناس، وأغنى الناس، فإن السعادة والحب صنع أيدينا، فمتى أشعرنا أنفسنا أننا بخير، وأن ما نمر به من أزمة إنما هي سحابة صيف، وأن غيرنا الكثير مروا بمثل أزماتنا أو أشد، ثم فرج الله تعالى عنهم بالصبر والدعاء والعلاج،فعادوا بأحسن حال، إذ إن مجرد التفاؤل والاقتناع بإمكانية علاج الأزمات التي تعترضنا، وأنها أمور عابرة، بل وهي كمثل غيرها من العقبات الأخرى؛ جدير بتهيئة النفس للخروج من الأزمة بإذن الله تعالى، فتفاءلي بالخير تجديه بإذن الله، ثقي بما عند الله، ولتتأملي قول الله تعالى: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" [النحل:97].
إن سعادتك داخل ذاتك، في طريقة تفكيرك، في إيمانك بقضاء الله وقدره، في رضاك بما قسم الله لك، في تكيفك مع الضغوط والأحداث، في تهوينك للعقبات والمشكلات، وهنا ستحصلين على الراحة النفسية بيسر وسهولة، وستجدين السعادة في الحياة الموصلة بالله تعالى، ستجدينها في واحة الإيمان وتحت ظلال القرآن، وفي الرضا بأقدار الرحمن، والصبر على ما قضاه المنان، ستجدينها في تحويل تفكيرك السلبي إلى تفكير إيجابي مثمر، ستجدينها في تعاملك مع الأحداث من حولك بواقعية، ستجدينها في القدرة على مواجهة الضغوط والتكيف معها من خلال التحكم بالانفعالات والأعصاب والمشاعر بكل عقلانية واتزان، ستجدينها في القناعة فيما قسمه الله تعالى لك، والاستمتاع بما بين يديك، وعدم إشغال النفس فيما سوى ذلك.
وأخيرا … السعادة الحقيقية في الدار الأبدية التي لا تنقضي، في دار الجنان التي وعد بها الرحمن عباده الصالحين، فإنها وحدها التي تخلو من الضغوط والهموم، قال تعالى: "لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ" [الحجر:48]، ومن هنا فإني أؤكد عليك التوكل على الله تعالى والاستعانة به، وعدم المبالغة في تضخيم الأمور، وقطع الطريق على الاسترسال في الأفكار الخاطئة، والتفسيرات السلبية المبالغ فيها، نَعم.. ثِقي بما عند الله، ثقي أن الله سيعوضكِ خيراً، وبإذن الله ترتَسِمُ الابتسامة على محياكِ، والطُمأنينة تُرفرف في أرجاء قلبك.
ثم الله الله بالدعاء، عليك بمن بيده خزائن السموات والأرض، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلِّبها كيف يشاء، سعادتك بين يديه، وصلاح حالك مَرَدُّه إليه، واستقرار حياتك وتعويضك عمَّا لاقيته من هموم وغموم مرتهن بتقديره وحكمته ورحمته.. فاقرعي بابه سبحانه، اهريقي الدموع في سجودك ذُلاً وخضوعاً، سليه من واسع رحمته وفضله، ادعيه وألِحِّي عليه بالدعاء، فإنَّ فرجه قريب، ثم قَدِّمي بين يدي ذلك صدقة ولو بالقليل، وعليك بالحفاظ على أوامر الله وفرائضه، الصلاة الصلاة في وقتها، وصلة الرحم، والبعد عن المحرمات ما صَغُر منها وما عَظُم، وبعد ذاك اهنئي بالغيث المدرار من رب الأرباب، ومُسَبِّب الأسباب سبحانه وتعالى.
قال أبو حازم رحمه الله: (لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله، إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز و جل إلا أغور فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنفتك الوجوه كلها) (صفة الصفوة).
وإنا في انتظار طمأنتنا عن أحوالك، أو ما يستجد لديك من تساؤلات، وفقك الله لكل خير، وبارك في حياتك، وحقَّق أمنياتك، وأسعدك في الدنيا والآخرة، والله أعلم، وصلَّ الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الثلاثاء، 9 مايو 2017

آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمع والفرد...

آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمع والفرد...


تُقاس أهمية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حسب الآثار المرجوة من القيام به، ويمكن إجمال هذه الأهمية بما قاله ابن العربي - رحمه الله - : "من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين" . ونتناول هذه الآثار فيما يلي:
أولا: آثار الاحتساب على المجتمع:
1- إطاعة المحتسب لأمر الله – سبحانه وتعالى - وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - في القيام به:
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي أوجبها الله،، وقد قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (سورة الحج: الآية ٣٢)، قال السعدي – رحمه الله -: (معنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد،..... فتعظيم شعائر الله، صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها، يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله) .
2- تحقيق الخيرية للأمة:
قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ (سورة آل عمران: الآية ١١٠)، قال ابن عطية الأندلسي – رحمه الله -: ( هذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط، من الأمر بالمعروف،والنهي عن المنكر، والإيمان بالله ).
3- تحقيق صفات الإيمان:
الذين من أخص صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (سورة التوبة: الآية ٧١).
4- نشر الفضيلة في المجتمع:
وحفظ أمنه واستقراره، من خلال حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. كما قال – صلى الله عليه وسلم -: ) مَثَلُ الْقَائِمِ على حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إذا اسْتَقَوْا من الْمَاءِ مَرُّوا على من فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لو أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا ولم نُؤْذِ من فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أَرَادُوا هَلَكُوا جميعا وَإِنْ أَخَذُوا على أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جميعا (، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم سبب نجاة المجتمع من الهلاك الذي ربما أصابه بسبب الذنوب الحاصلة، وتجاوز حدود الله – سبحانه وتعالى -  بالمعاصي من ارتكاب المحرمات، والإعراض عن الواجبات.
ومما تضمنه هذا الحديث الشريف يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساوي حياة المجتمع وسلامته وأن أي تهاون في القيام، به لا جزاء له إلا أن تهوى السفينة بالجميع إلى القاع، وأن يصبح الكل من المهلكين المغرقين.
5- استجابة الله عز وجل للدعاء:
كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ) وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عن الْمُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا منه ثُمَّ تَدْعُونَهُ فلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ...

الاثنين، 24 أبريل 2017

 رِفْقاً بـ(الإسلام)..............

رِفْقاً بـ(الإسلام)..............


أُشفق على من يبحثون عن الحق في مثل هذه الأزمنة المضطربة المتداخلة.
باسم الإسلام يُقتل أبرياء غافلون ويُردد قاتلهم: (الله أكبر)!
وتنتشر آلاف المقاطع في الشبكات للنحر، والقتل، والاستخفاف بالحياة باسم: (دولة الإسلام)، أو باسم: (الثأر للحسين)!
من ينفِّذ هذا الإرهاب أحد طرفي الإرهاب، لكن من ينشره ويجعله سلعة في الأيدي هم أولئك المستسهلون لضغطة زر النشر؛ ليجعلوا من هذا القبح مادة مستساغة مع الزمن والتكرار -وإن فعلوا ذلك بحسن نية-.
بلاد العروبة وبلاد الإسلام أصبحت خارطةً حمراء؛ تُنتهك فيها الحقوق، ويُعتدى فيها على الأطفال والنساء والشيوخ والعاجزين.
وفيها أكبر عددٍ من أصحاب الإعاقات والعاهات ومقطّعي الأطراف.. بسبب الحرب العمياء والتدمير العشوائي.
وهي تحتل المراتب الأخيرة في سلم التنمية، والعدالة، والتعليم، والصحة، والتوظيف، والشفافية، والنمو الاقتصادي.
قصص العنف الأسري ضد الأطفال وضد النساء تتكاثر وبعضها موثّق بالتصوير.
حالات عديدة رأيت فيها أحد الأبوين يزجر طفله أو يتلّه أو يسحبه أو يضربه في المطار أو السوق في مدننا العربية!
جاءت من تلك العصا الغليظة التي كانت مغزلنا الوحيد في التربية، كانوا يتوارثون المعرفة يوم أن توارثنا تلك العصا..
خطيب أو إمام أو داعية يصعد المنبر ويتكلم برؤيته الضيقة ورأيه الخاص؛ الذي ربما لا يقبله محيطه القريب، وهو يقوله على رؤوس الأشهاد للقريب والبعيد، وقد يعد هذا شجاعةً أو صدعاً بالحق، وإن لم يكن معه من الله برهان، وليس لديه علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وربما تحدَّث في مسألة علمية كونية صارت من القطعيات المفروغ منها حتى لدى البسطاء وهو ينفيها باسم الله وباسم الإسلام وباسم القرآن!
يا لجرأتنا على الله باسم الله..
مجتمعات متدينة عجزت عن استيعاب تنوعها واختلافها فتحولت إلى بؤر للصراع المستميت الممتد؛ الذي لا يتوقّف إلا ليلتقط أنفاسه من جديد!
مع الوقت صرنا بيئة جاذبة للأمزجة الحادة حتى لمن يدخلون في الإسلام نبدأهم بالتطعيم بهذه المعاني.
انشغالات جزئية شكلية فرعية خلافية تسيطر على التفكير والاهتمام، وتشغل عن الله، وعن الحياة والعمل والحضارة والإبداع.
إعلام يُموّل بالمال العربي والإسلامي، ويوجه لعقول عربية وإسلامية، ولا يخدم هوية، ولا يعالج مشكلاً، ولا يكرس قيمةً، ولا يربي على الإنصاف والعدل.
كانت الشتيمة متستّرة لا يعرفها إلا القلّة، مَنْ الذي جعلها سافرة لهذا الحد..؟!
كنا نرتكب أخطاء في محيطنا الضيق وضمن سياق خاص، ومع الشبكات المتكاثرة  لم يعد خطؤنا مفهوماً، لقد تجاوز الأصدقاء والدوائر الشخصية إلى المحيط العالمي الذي لا يعرف مستوى المتحدثين ولا يدرك أهميتهم ولا يحيط بظروفهم النفسية،  والذي بمقدوره أن يفسر الكلام والمواقف وفق ميله ومزاجه وربما يكون جاهلاً أو سَيِّئ النية!
قوى عالمية رسمية وشعبية تستثمر كل هذا في صناعة انطباعٍ سلبي عن الإسلام وأهل الإسلام وتاريخ الإسلام، وتصنع من الحادثة المفردة قصة عريضة، وترددها على مدار الساعة؛ لتحدث تراكماً لدى المشاهدين، وتبني جداراً من الكراهية والخوف من هذا الدين.
ثَمَّ شأن إيجابي كبير فليست الصورة قاتمة من كل وجوهها، بيد أن مشاهدة هذا الخيط الأسود الكالح ضروري للعمل على كسر دوامته وتخفيف حدته.
سؤال يطرح نفسه كثيراً:
أين مَنْ يُقدِّم الأنموذج الأخلاقي الطيب لأبناء مجتمعاتنا القريبين منا، والذين اهتزت ثقتهم فينا، وفيهم من اهتزت ثقته بدينه، وفيهم من تطرّف وغلا ، وفيهم من ألحد وتجرأ على قدسية ربه بسخيف القول، وجعل المعاني الإيمانية العليا مادةً للتندر والسخرية والتجديف؟!
أين الأفراد الأنموذج في العقل والتفكير والتوازن والتسامي عن تمثيل جماعة أو مدرسة أو حزب أو تيار إلى أفق التسامح الإسلامي الواسع؟
وأين المدارس الأنموذج في البناء التربوي، والتأصيل النبوي، والاستيعاب والبعد الإنساني؟
أين المجتمع الأنموذج في الواقعية والترابط واحترام الاختلاف والصلة والبر والعفو والإحسان؟
أين الإدارة الأنموذج في العدالة والتنمية والتخطيط والحقوق؟
أين الفقيه الذي يتربَّى ويُربِّي على قاعدة: (لا يتحدَّث الناس..)...........

الجمعة، 21 أبريل 2017

الشباب من الداخل.......

الشباب من الداخل.......

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
إن من أعظم ما افترضه اللهُ علينا تجاه نعمةِ الذُّرية أن نقوم على أمر تربيتهم وتعاهدهم بما يصلح لهم أمور دنياهم وآخرتهم؛ولذا فإننا حينما نتحدَّث عن تربية الابناء؛فإنما نتحدثُ عن أمانةٍ عظيمةٍ ومسئوليةٍ جسيمةٍ.

إنَّ الأبناءَ أمانةٌ ومسئوليةٌ، يقولُ-عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته,الإمام راعٍ,ومسئول عن رعيته،والرجل راعٍ في أهله، وهو مسئولٌ عن رعيتِهِ، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسئولةٌ عن رعيتِها، والخادم راعٍ في مال سيده، ومسئولٌ عن رعيتِهِ، وكلُّكم راعٍ، ومسئولٌ عن رعيتِهِ»(1)

إن بعض الآباء يؤدِّي حقوق الأبناء من مطعم وملبس,ويغفل عمَّا هو أهمُّ من ذلك، يغفل عن تأديبهم وتعليمهم وتربيتهم،وقد رُوِىَ عن النَّبيِّ- عليه الصلاة والسلام- الحديث ضعفه الالبانى أنه عليه الصلاة والسلام قالَ: «ما نَحَلَ والدٌ ولداً مِن نحل أفضل من أدبٍ حسنٍ)»(2) والمعنى أن أفضل ما يهب الوالدُ لولدِهِ حسنُ الأدبِ،ولاشكَّ أنَّ ذلكَ خيرٌ من صنوفِ الأموالِ والهباتِ.

إن التربيه من أفضل الأعمال وأقرب القربات،فهي دعوة وتعليم،ونصح وإرشاد،وعمل وقدوة،ونفع للفرد والمجتمع.وكيف لا تكون من أعظم الأعمال وأجلِّها,وهي مُهمَّةُ الأنبياء والرسل,وقد قال-تعالى-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}(3)

 وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكملُ ويقوى بالغذاء،فكذلك النفس تُخلق ناقصةً قابلةً للكمال؛وإنما تكمل بالتربيةِ وتهذيبِ الاخلاقِ والتغذيةِ بالعلم).

إنَّ مهمَّةَ تربيةِ الأولادِ مُهمَّةٌ عظيمةٌ يجبُ على الآباء أنْ يحسبُوا لها حسابها،ويُعِدُّوا العُدَّةَ لمواجهتها،خُصُوصَاً في هذا الزَّمانِ الذي كثرتْ فيه دواعي الفسادِ،وتنوَّعتْ فيه وسائلُ التأثيرِ،وكَثُرَ إهمال الآباء للشباب فلم يعد يُسأل عنهم،وخرجت البنات مع السائقين،وقل الحزم والغيرة في الرجال،وكل ذلك مقرون مع الإهمال في التربية.

أيها الآباء: إن الله قد أمركم بأن تقوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، استمعوا إلى التوجيه الإلهي العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(4) .

أيها الأحبة: لقد أهمل كثير من الآباء تربية أبنائهم فهم مشغولون بأعمالهم ووظائفهم, حتى أن بعض أبنائهم وقع في المصائب العظيمة دون أن يشعر بهم آباؤهم,وقد يغترُّ الأبُ بظاهر ابنه,فيظن أن ابنه على خير عظيم,وهو في الحقيقة واقع في المعاصي والسيئات. إن من يجلس مع بعض الشباب ويعرفهم عن قرب ليرى العجب العجاب: شباب واقعون في المنكرات، قمار، أغاني،معاكسات، لواط،عادة سرية، دخان، مخدرات أفلام مشبوهة،تبادل سيديهات جنسية مواقع إباحية،وخذوا على سبيل المثال قضية شبكة الإنترنت فلقد تنوعت وتعددت مصادر الإفساد للشباب على الشبكة,وتعددت مجالاتها,فتجدها أحياناً جنسية وإباحية ، ومرة تجارة بالرقيق،وأخرى نشر للصور والأفلام المخلة بالآداب،وكذلك تعاطي المخدرات وطرق استخدامها والحصول عليها والعنف وبذاءة الألفاظ والعنصرية والممارسات الشاذة.

كتبت إحدى المجلات (5)عنواناً باسم : ( عالم الإنترنت السفلي.. قرصنة برامج.. إباحية.. مافيا..غسيل أموال.. مخدرات.. قمار..عنصرية .. منظمات الهاكر.. إرهاب.. متفجرات ثم عنونت داخل المجلة:( عالم إنترنت السفلي يناديك، يبسط لك ذراعيه، يلوح لك بكافة المغريات القذرة التي ابتكرها الإنسان عبر التاريخ.. برامج كاملة بالمجان.. صور وأفلام إباحية.. مخدرات.. قمار.. أموال قذرة.. فهل تستجيب ؟) وفي حوار من خلال مجلة(الجندي المسلم ) حول الإباحية في الإنترنت مع د. مشعل بن عبد الله الأستاذ المساعد في معهد بحوث الحاسب الآلي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية قال:(قامت بعض الشركات بدراسة عدد زوار صفحات الدعارة والإباحية في الإنترنت فوجدت إحدى الشركات أن بعض هذه الصفحات يزورها عشرون ألف زائر يومياً، ولذلك صرَّحتْ وزارةُ العدل الأمريكية قائلة : لم يسبق في فترة من تاريخ وسائل الإعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل من مواد الدعارة أمام هذه الكثرة من الأطفال في هذه الكثرة من البيوت. كما تفيد الإحصائيات بأن 63% من المراهقين الذين يرتادون صفحات وصور الدعارة لا يدري أولياء أمورهم بطبيعة ما يتصفحونه على الإنترنت . علماً بأن الدراسات تفيد


أن أكثر مستخدمي المواد الإباحية تتراوح أعمارهم ما بين 12 - 17 سنة (6)

فيا معاشر الآباء هل تعلمون ماذا يعمل أبناؤكم؟! وماذا يدور بينهم؟ ألا فلنتق الله في أولادنا,ولنحافظ عليهم من الانحراف والمعاصي,فَهُم أمانةٌ في أعناقنا،ولنتنبه لأخطائهم ونعالجها ,قبل أن تستفحل.

 وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نبيِّنا مُحمَّدٍ,وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ. 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - أخرجه البخارى كتاب الوصايا باب تأويل قول الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين برقم (2546).
2 - أخرجه الترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في أدب الولد برقم (1875) واللفظ له، وأحمد (14856).
3 -(الجمعه:(2).
4 -التحريم: (6).
5 - في عددها الثاني للسنة الثالثة (إنترنت العالم العربي) نقلاً عن مجلة البيان العدد 172ص 38 .

6-  مجلة إنترنت العالم العربي في عددها الثاني للسنة الثالثة ص نقلاً عن مجلة البيان العدد 172ص 38.